حسابات الفرص .. سورية وجوارها الشرق أوسطي
تعيش سورية عبر تاريخها في موقع جيوسياسي استثنائي قد يكون الاميّز في العالم ، ونظراً لذلك تمتد يد طولى خارج حدودها تسعى دوماً الى التحكم في قراراتها وسيادتها وتعلن معظمها حرصها على وحدة سورية وسيادتها ! ، نحن في قلب شرق أوسط مليء بالتهديدات والأخطار خيارات دولها المعلن التمسك بالسلام كخيار استراتيجي وعدم التورط في الحروب والصراعات الدائرة بشكل مباشر ولكن الاسوأ هو التدخلات غير المباشرة وبالوكالة .
الى الغرب من سورية ، نشبت حرب أهلية في لبنان سبعينيات القرن الماضي ، انهارت بفعلها مؤسسات الدولة وفشلت في صياغة عقد اجتماعي جديد بينها ، وصولاً الى اتفاق الطائف الذي ارسى محاصصة بالحكم .
كذلك دولة الاحتلال الاسرائيلي وحروبها المختلفة وبذرائع متعددة لتهجير الشعب الفلسطيني وزرع الفوضى في البلاد المجاورة بالاعتداءات والتدخلات .
الى الشرق بالعراق ، انهارت مؤسساته بفعل الحصار والغزو الامريكي ، وتحول العمل السياسي الى المحاصصة بالحكم .
في الشمال تركيا ، وصراعها مع حزب العمال الكردستاني منذ سبعينيات القرن الماضي دخلت في حروب متواترة طويلة امتدت خارج الحدود التركية ، حتى اعلان الزعيم الكردي اوجلان ” نداء السلام والمجتمع الديموقراطي ” الاسبوع الماضي وقد يكون الاساس لعملية سياسية ديموقراطية تشاركية بعد وقف اطلاق النار وبناء الثقة المتبادلة .
جميع هذه الأحداث وغيرها ، انعكست وستنعكس على سورية وسياساتها ووحدتها وسيادتها ، ولعل من المناسب والمفيد استيعاب هذه الاحداث والاستفادة من تلك التجارب لخلق الفرص المستدامة في بناء سورية الجديدة .
من زاوية اخرى ، يبدو أن الولايات المتحدة تعمل على بلورة عقيدة جديدة للقوة الأمريكية ،من أطروحة الرئيس دونالد ترمب حول “السلام من طريق القوة”
فصل جديد نشهده في العلاقات عبر الأطلسي تبرز فيه ملامح سياسة خارجية جديدة مختلفة جذرياً مع سياسات جميع الإدارات الأمريكية السابقة ، ازدادت وضوحاً من لقاء زيلينسكي الرئيس الاوكراني مع الرئيس ترامب ونائبه في البيت الابيض منذ يومين وما اعتراها من خروج عن الديبلوماسية الهادئة الى ضرورة فرض السلام ووقف الحرب الروسية – الاوكرانية للحد من مخاطر ” اندلاع حرب عالمية ثالثة ” والاصرار على زيلينسكي للاعلان عن استعداده للسلام ، وسط مواقف اوروبية تتدرج بين استمرار الدعم لاوكرانيا خوفاً على الامن الاوروبي وبين مؤيدين للموقف الامريكي .
باعتقادي ، يواجه النظام السياسي العالمي تحولات عميقة ، أفرزتها متغيرات إقليمية ودولية ، أضحت وفقها السياسات القديمة المتبعة غير ناجعة في مواجهة الواقع الجيوسياسي الجديد السريع التحول ، وبالتالي علينا استيعاب تداعياتها الداخلية والخارجية
في تحولات بنية الحكم ، وتحويل المخاطر الى فرص ، ومنها تحديات الدَّمج والتَّوافُق في اطار بناء الدولة .
لا يخفى على أحد إن سورية في الفترة الحالية تحت المجهر الدولي ، وتنتظر من ادارة الرئيس الشرع أفعالاً تنفيذية للتصريحات السياسية والدبلوماسية المنمقة وعلى الاخص الثلاثية الهامة في هذه المرحلة وهي الاعلان الدستوري والحكومة الانتقالية والمجلس التشريعي المؤقت لتشكيل نواة تشاركية واسعة الطيف في بناء سورية الجديدة ، والحد من تعدد الشروط الدولية مع السلطة الجديدة ، والاعتراف بها عبر مجلس الامن الدولي وفق روحية وجوهر القرار 2254 في بنود المرحلة الانتقالية ورفع العقوبات عن سورية والمشاركة في تمويل مشاريع البناء والتعافي وعودة النازحين من المخيمات الى مدنهم ، وفك شيفرة التقييد الدولي بالعقوبات للانفتاح على الحكومة السورية .
في مشهد آخر ، تتالى زيارة شخصيات سورية مقيمة بالخارج ، بشكل فردي أو بنسميات ممثلي الجاليات والمجتمع المدني والمنتديات والتجمعات الاقتصادية .. تهدف الى “تهيئة” ظروف العمل في المستقبل القريب ، ومنهم مغتربين قسرياً عادوا الى سورية مؤقتاً وطرحوا مشاريع كبيرة قد تكون ايجابية اذا صدقت النوايا فيها ، ولكن المستغرب استقبال العديد منهم رسمياً في مقابل تهميش واقصاء فعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية بالداخل عانت التهديد والخوف والاعتقال وقطع سبل العيش والتدمير خلال حكم النظام البائد ، الا انها تمسكت بجذورها الوطنية الممتدة في تراب سورية وجغرافيتها وكسرت الصخور بأظافرها لتساهم في انتصار ثورة سورية الحرة ،
إن سورية لجميع ابناءها بالداخل والخارج وعلى كامل مناطقها واثنياتها وتنوعها ، علينا التنبه للتمييز الحاصل والعمل بشفافية وواقعية لتجاوز الشرخ الاجتماعي الذي رسخه النظام البائد في الفوارق الطبقية الهشة والمناطقية والسياسية والثقافية ..
إننا نضم رؤيتنا الى رؤية الدكتور زياد عربش والدكتور اياد القدسي في فكرة تشكيل مجلس من النخب ( اقتصادي-اجتماعي -سياسي ) قادرة على تقديم رؤى حول *انتشال سورية من الركام* ونعتبر ذلك ضرورة ملحة لاعادة تقويم الاداء بعد التصحر السابق وادارة ملفات تجاوز الكوارث المتتالية التي شهدتها سورية منذ استلام حزب البعث الحكم فيها .
إن الانتماء إلى أي دولة ، أو إلى الوطن ( الوطنية )
لا يمكن أن يتوّلد بالإقصاء أو التهميش أو التهديد أو التخوين … وخاصة في سورية ذات التنوع المتعدد ،
فتعزيز الانتماء والوطنية يتم من خلال الاعتراف بالاَخر المختلف ثقافياً ولغوياً واجتماعياً اعترافاً دستوريّاً يحقق الهوية السورية الحامعة ويضمن مشاركتنا جميعاً (أفراداً ومجموعات) على قدم المساواة في جميع أدوار بناء دولتنا الجديدة على أساس المواطنة والديموقراطية وتداول السلطة وسيادة القانون والمساواة في الحقوق والواجبات .
وللتذكير ، أطلقت الفيدرالية السورية لحقوق الانسان يوم 10 ديسمبر / كانون اول 2024 بمناسبة مرور الذكرى السنوية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان
نداء حقوقي مشترك مع مئات من المنظمات والهيئات الحقوقية والمدنية السورية ، ” لنعمل معا من اجل سيادة السلم والسلام في سورية عبر الحل السياسي السلمي الدائم ،ومن أجل إيقاف كل أشكال العنف والكراهية وسيادة السلم والسلام والمحبة “.
في الختام لا بد لنا جميعاً من وقفة في الوطن ومع الوطن .. فثورات الشعوب عبر التاريخ دون ارادة وادارة وقرار ، تتأرجح بين الفوضى والانتظام ، والفوضى فيها كالسيل الجارف دون مسار طبيعي أو محدد له ، يهدد بكوارث تنقلب فيها المشاهد الى دمار وخنادق وركام لا سبيل للنجاة من كوارثها سوى تضافر الجهود واحترام الرأي والتشاركية الحقيقية ( نعمل معاً – نتشارك معاً – ننهض معاً )
سورية للجميع … وفوق الجميع …
مهندس باسل كويفي
Discussion about this post